أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
461
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
عذاب الأول ، فلمّا حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه . وقيل : منصوب بقول مضمر وسيأتي بيانه . و « يُحْمى » يجوز أن يكون من حميت أو أحميت ثلاثيا ورباعيا . يقال : حميت الحديدة وأحميتها أي : أوقدت عليها لتحمى . والفاعل المحذوف هو النار تقديره : يوم تحمى النار عليها ، فلما حذف الفاعل ذهبت علامة التأنيث لذهابه ، كقولك : « رفعت القضية إلى الأمير » ، ثم تقول : « رفع إلى الأمير » . وقيل : المعنى : يحمى الوقود . وقرأ الحسن : « تحمى » بالتاء من فوق أي : النار وهي تؤيد التأويل الأول . وقرأ أبو حيوة : « يكوى » بالياء من تحت ، لأن تأنيث الفاعل مجازيّ . والجمهور « جِباهُهُمْ » بالإظهار ، وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه بالإدغام كما أدغم : « سَلَكَكُمْ » « مَناسِكَكُمْ » ، ومثل : جباههم : « وُجُوهُهُمْ » « 1 » المشهور الإظهار . قوله : هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ : معمول لقول محذوف أي : يقال لهم ذلك يوم يحمى . وقوله : « ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ » أي : جزاء ما كنتم ؛ لأنّ المكنوز لا يذاق . و « ما » يجوز أن تكون بمعنى الذي ، فالعائد محذوف ، وأن تكون مصدرية . وقرىء « 2 » « تكنزون » بضم عين المضارع ، وهما لغتان يقال : كنز يكنز ، وكنز يكنز . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 36 إلى 37 ] إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 36 ) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 37 ) قوله تعالى : إِنَّ عِدَّةَ : العدّة : مصدر بمعنى العدد . و « عِنْدَ اللَّهِ » منصوب به ، أي في حكمه . و « اثْنا عَشَرَ » خبر إنّ . وقرأ هبيرة عن حفص - وهي قراءة أبي جعفر - اثنا عشر بسكون العين مع ثبوت الألف قبلها ، واستكرهت من حيث الجمع بين ساكنين على غير حدّيهما كقولهم : « التقت حلقتا البطان » بإثبات الألف من « حلقتا » . وقرأ طلحة بسكون الشين كأنه حمل عشر في المذكر على عشرة في المؤنث . و شَهْراً « 3 » نصب على التمييز ، وهو مؤكّد لأنه قد فهم ذلك من الأول ، فهو كقولك : « عندي من الدنانير عشرون دينارا » . والجمع متغاير في قوله : « عِدَّةَ الشُّهُورِ » ، وفي قوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ لأن هذا جمع كثرة ، وذاك جمع قلة . قوله : فِي كِتابِ اللَّهِ يجوز أن يكون صفة لاثنا عشر ، ويجوز أن يكون بدلا من الظرف قبله ، وهذا لا يجوز ، أو ضعيف ؛ لأنه يلزم منه أن يخبر عن الموصول قبل تمام صلته ؛ فإنّ هذا الجارّ متعلق به على سبيل البدلية ، وعلى تقدير صحة ذلك من جهة الصناعة ، كيف يصحّ من جهة المعنى ؟ ولا يجوز أن يكون « فِي كِتابِ اللَّهِ » متعلقا
--> ( 1 ) سورة آل عمران آية ( 106 ) . ( 2 ) انظر مختصر الشواذ ( 52 ) . ( 3 ) سورة البقرة آية ( 197 ) .